فخر الدين الرازي

136

القضاء والقدر

فلم كان حمله على ما ذكرتم أولى من حمله على ما ذكرنا ؟ وعليكم الترجيح . بل ما ذكرناه أولى . ويدل عليه وجوه : الأول : إن اللام في قوله « لكم » لعود المنفعة . وهذا لا يطرد في الكفر والفسوق والعصيان ، لأنها غير نافعة للعباد ، بل ضارة لهم . الثاني : إن قوله : « خلق لكم » يقتضي أن تلك الأشياء صارت مخلوقة ، وحصل الفراغ منها ، وأفعال العباد ليست كذلك . الثالث : إن قوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ يقتضي كون كل واحد من هذه المخلوقات مخلوقا لكل أحد . وأفعال العباد ليست كذلك . لأنه لا انتفاء بكل واحد منها إلا لفاعله فقط . واللّه أعلم . والجواب : إن كلمة « في » مستعملة في قولنا : الماء في الكوز ، وفي قولنا : العرض في المحل . والأصل عدم الاشتراك . والمجاز يوجب كون هذا اللفظ موضوعا بإزاء القدر المشترك بينهما . وذلك القدر المشترك هو أن يكون المظروف حاصلا في داخل الظرف ، سواء كان ساريا فيه ، كما في العرض والمحل ، أو موضوعا في جوفه ، كما في الماء والكوز . وإذا جعلنا لفظ « في » بإزاء هذا المعنى المشترك ، وجب أن يدخل تحته جميع أنواعه ، رعاية لعموم قوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . قوله : « اللام لعود المنفعة » قلنا : هذا يشكل بقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » واللّه أعلم .

--> - ( أصول السرخسي 1 / 126 ) . وعلى المجتهد أن يحدد معنى اللفظ المشترك أو يرجح أحد معانيه بالقرائن اللفظية أو الحالية . أما إذا لم يكن من قرينة ترجح المعنى المراد فقد اختلف في إرادة كل واحد من معنييه أو معانيه . لا المجموع من حيث هو مجموع على مذاهب : الأول : يجوز أن يراد من المشترك جميع معانيه سواء أكان واردا في النفي أم في الإثبات . وهو مذهب الإمام الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة من الشافعية وفريق من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار ، وقال به ابن الحاجب . ونقله القرافي عن الإمام مالك . الثاني : لا يجوز أن يراد من معانيه إلا واحد ، سواء أكان واردا في النفي أم في الإثبات ويجب التوقف حتى يقوم الدليل على تعيين معنى من معانيه . وقال بهذا القول : معظم الحنفية وبعض الشافعية كإمام الحرمين وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد اللّه البصري . واختاره الإمام الرازي في كتبه كلها كما ذكر الإسنوي . الثالث : يجوز أن يراد بالمشترك جميع معانيه في النفي دون الإثبات وهو مذهب لبعض فقهاء الحنفية راجع المحصول للرازي 1 / 108 ؛ البرهان للجويني 1 / 343 ؛ نهاية السئول للإسنوي 2 / 123 ؛ أصول السرخسي 1 / 162 ؛ كشف الأسرار 1 / 40 ؛ الإحكام في أصول الأحكام 2 / 261 ؛ التحصيل من المحصول 1 / 214 ، الإبهاج 1 / 255 ؛ إرشاد الفحول 20 . ( 1 ) سورة البقرة الآية 10 .